الأحد، نوفمبر ١٢، ٢٠٠٦

الطريق



طريق وعرة.. ورفقاء متنافرون

الطريق الى كرسي الرئاسة بجمهورية مصر العربية في الوقت الراهن ليس مفروشا بالورود .. وليس سهلا وممهدا.
فالبلد تغلي بالأحتقان من كل لون .. وعلى كل صعيد ، والحقبة الأخيرة المكونة من حكمي السادات ومبارك أفرزت واقعا مريرا في مصر حقيقته أن هناك الآن طبقتين تزداد الهوة بينهما بسرعة كبيرة مما خلق هاوية رهيبه ينزلق اليها الوطن بسرعة أكبر.
الصورة تدلنا على أغلبية ساحقة من الفقراء والجوعى واليائسين ، أغلبهم من الشباب ، منهم من تكدس أمام السفارات الأجنبية يتسجدي تأشيرة يحلم بأن تكون البوابة التي يدخل منها الى واقع أخر غير الذي يحياه ، ومنهم من يهيم على وجهة متسكعا أمام السينمات والمراكز التجارية يبحث عن ضحية من الفتيات أو السيدات يلصق بها جسده لينتهك عفافها وشرفها في عملية تفريغ غبية لكبته الجنسي بعد أن تبخرحلمه في الأستقرار وتكوين أسرة! ومنهم من يحاول التعايش مع الواقع باللهث وراء الدراسة وتحقيق قدر من النجاح يتصور أنه سيكون تذكرته لحجز مقعدا له بين أولئك الذين يفترض فيهم أنهم يخدمون وطنهم ، ولكن ، وللأسف ، ينتهي به المطاف بألقاء نفسه من فوق كوبري التحرير ليستقر هو وحلمه في قاع النيل ، ذلكم الشاهد القديم على نجاحات المصريين القليلة وأخفاقاتهم الكثيرة. وبين هؤلاء وأولائك ، ُينهك السواد الأعظم من أرباب الأسر في معركة يومية غير متكافئة في البحث عن ما يسدون به رمق أسرهم وحاجاتهم الأساسية. أما طبفة المثقفين والموظفين والعمال ، أو ما يعرف بالطبقة الوسطى ، فقد تآكلت وأوشكت على التلاشي لحساب الطبقة المطحونة والأشد فقرا.
في هذا الخضم نجد أن المصريين اليوم قد ساءت أخلاق الغالبية العظمى منهم ، وضائقة هي صدورهم ، وأصبحوا من أقل الشعوب في الذوق العام ، لا فرق في ذلك بين قاطني الفلل في القطامية هايتس وألكس وست من مرتادي نوادي الجولف المصرية وبين قاطني بولاق الدكرور وعزبة أبوأسماعيل. أصبحت العشوائية والزحام وعدم الأنضباط والتهور وخروج الأفراد عن وعيهم وعن المنطق في الحديث وعدم الألتزام و الهمجية في السلوك المروري وفي الأصطفاف في الطوابير هي السمة السائدة لدي المصريين.هذا أمر محزن لنا جميعا كمصريين ، ولكن لا بد لنا من الأقرار به أذا كان لنا أن نعمل على تغيير هذا الواقع الأليم الذي نحياه. الأنكار والمكابرة لن يفيدا شئ ، ويمكن لمن يلق نظره على الشارع المصري الآن أن يلحظ ذلك دون أي مجال للشك. ولقد أُحدث ذلك حسب مخطط خبيث عمل على نشر الفساد في أخلاق المصريين وثقافتهم وحياتهم ووسائل أعلامهم بصورة منظمة لعقود من الزمن.
في هذه الصورة القاتمة نجد أن مؤسسة الحكم من رئاسة وحكومة وبرلمان قد تم أستلابها من قبل عصابة من المنتفعين الغارقين في العمالة للصهيونية والأمبريالية الغربية ، في حماية من مؤسستي الشرطة ، والتي تم أفسادها الى قدر غير مسبوق في كل تاريخ مصر ، والجيش ، والذي تم أسكاته بألقاء الفتات له. ذلكم الجيش المصري العظيم ، والذي كان الحارس الأمين على مصر ، أصبح الآن يقف مشلولا وعاجزا بعد أن تم أضعافه وأخضاعه وأذلاله على مدى العقود الثلاثة الأخيرة ، وتم تحويل الجزء الأكبر من مجنديه الى أمن مركزي وظيقته بالأساس حماية الحاكم والعصابه التي تحيط به.
وسط تلكم الصورة القاتمة أضطرت الحكومة تحت ضغوط دولية وخاصة من واشنطن لتخفيف قبضتها البوليسية على الشعب للتنفيث عما بداخلة بغرض تجنب الأنفجار الشعبي. أدى ذلك اى حدوث حراك سياسي في الشارع المصرى ظهر في صورة حركة كفاية وأخواتها ، ولكن أدى أيضا الى دخول جماعة الأخوان المسلمين ، والتى تحظرها الحكومة ويقننها الشارع ، الى مجلس الشعب المصري بعشرات الأعضاء في الجزء الأول من انتخابات مجلس الشعب مما أضطر الحكومة لقفل الباب بالضبة والمفتاح في الجزءين التاليين من الأنتخابات بعد أن أرتعد شارون خوفا فأتصل ببوش والذي بدوره أصدر أوامره للنظام المصري، في المكالمة التليفونية الشهيرة ، بوقف ما كان مقررا أن يكون تمثيلية ولكن كادت أن تتحول إلى واقع مؤلم للمؤسسة الصيونية العالمية.
هذا الحراك بدأ يخبو ويتقلص بعد أن دبت الخلافات بين أطراف المعارضة وبعد أن أزدادت القبضة الأمنية الحكومية على المعارضين سوءاً ، وأخذت تنكل بالمعارضين ، من قبيل ما فعلت بالشرقاوي ناشط حركة كفاية ، ومما ملأ الشبكة العنكبوتية من صور ومقاطع فيديو من قبيل ما يبث في "يو تيوب" مما يظهر جهابزة الداخلية المصرية العتيدة يتسلّون بصفع مواطن على وجهه وشخص ضخم الجثة ينهال على فتاة ضعيفة البنية ضربا مبرحا بعصي غليظة على كل جزء من جسمها وهي تستغيث وما من مغيث ، وما خفي عنا من شأنها بلاشك أعظم ، ومن قبيل أن تربط يدي شخص خلف ظهره ويطرح أرضا ونصفه الأسفل عار تماما وتشد رجليه للأعلى ويقوم الفاتح الأكبر في ضباط الداخلية المصرية بأخال عصىٍ الى فتحة الشرج خاصة المسكين وهو يصرخ بأعلى صوته "خلاص حرمت ياباشا". غير أنه قد أسمعت أذ ناديت حيا كل ذلك تشاهده بالصوت والصورة!
أن الواقع المصري هو واقع أليم بكل المقاييس ، ولكن الأسوأ فيه هو الأحباط والسلبية واليأس الذين يسيطرون على المواطن المصري المستسلم لقهره وجلاديه.
مشكلة المصريين مع حكومتهم أنها لاتقيم لهم ولا لآمالهم وآلامهم وزنا ، ولا يعنيها المصلحة القومية ومصلحة المواطنين بقدر ما يهمها تحقيق مصالح شخصية ضيقة ، سواء أكانت مصالح مادية وسلطوية لأعضاء الحزب الوطني وأعضاء الحكومة ومجلس الشعب ، أو كانت في تمريرعملية التوريث بالنسبة للأسرة الحاكمة وترك البلد تتدهور على كل الأصعده. هذه المشكلة لا يمكن أن تحل في وضعنا الراهن الا بخيارين كلاهما مر. الخيار الأول هو أن تدب الحياة والنخوة والشهامة في رجالات الجيش المصري ، وهذا عهدنا بهم ، ويطيحوا بهذا بالنظام العقيم و المتفسخ والذي أستشرى فيه العفن ودبت في أوصاله الأمراض. غير أن هذا ليس فقط حلم بعيد المنال الآن في حالة الضعف التي وصل اليها الجيش والذي ليس بأحسن حالا من الشعب ، ولكن أيضا ينطوي على أشكالية عودة السلطة مرة أخري الى جنرالات الجيش والذين لن يذهبوا بنا بأبعد مما نحن فيه الآن، ونصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار!
الخيار الآخر حاليا هو حدوث ثورة شعبية وعصيان مدني وأنفلات أمني وسقوط كامل للدولة والنظام في وقت تتربص فيه قوى خارجية متحفزة للأنقضاض على البلد سواء من الصهيونية أو من الأمبريالية أو من عملائهم في دول المهجر وخاصة أمريكا وكندا ، وهدفهم هو تحطيم البلد وتفتيته والزج به في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر على غرار ما يحدث في العراق.
التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو كيف يمكن أن نبعث روح الكرامة والنخوة والحياة في هذا الجسد الشعبي شبه الميت ليصحو ويثوب الى رشده ويتحول الى مارد راشد يكسر قيده ويقضي على جلاديه بقوة وعقلانية. حقيقي أنه كما قال الشاعر : أذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر. غير أنه لابد من أيجاد سبيل لبعث أرادة الحياة في هذا الشعب لكي يتحرك.
أن الشعوب لا تقود نفسها ، ولكنها تتبع خطى قادتها. غير أن غياب القيادة الواحدة الراشده لا يعني أستحالة تحريك الشارع. أن الشعوب عندما تصحوا تتجه بفطرتها نحو القيادة القوية الراشدة وتضعها في موقع القيادة وتتبعها. مشكلة المعارضة المصرية الآن أنها تنشغل عن واجبها في أيقاظ الجماهير وبعث الحياة فيها بالتصارع على مناصب القيادة وأقتسام المكاسب ، مما يسهل مهمة الحكومة في أحتواءها من ناحية ، ويصرف عنها الشارع والرأي العام من ناحية أخرى.
من قراءتي لسير أصحاب الحركات الساسية والتحررية أرى أن نموذج الشهيد حسن البنا يرحمه الله هو الأنسب لنا بسبب أنه سبق وأن جرب في المجتمع المصري وحاز نجاحا كبيرا. غير أن دعوته نفسها كحركة الأخوان المسلمين بما لها من طابع ديني مبني على البيعة والسمع والطاعة قد لا تتسع لكافة الأطياف في المجتمع المصري في يومنا هذا. هذا لا يعني أنني أقدح في الحركة أُوفي أسسهما أوفي زعيمها رحمه الله ، ولكنني أريد أن ننتفع من أسلوبة الذكي في أيجاد حركة وطنية مصرية تتسع لكل الأطياف من قوميين ويساريين ويمينيين ومسلمين ومسيحيين. ذّلك بأن نتوجه بدعوتنا الى كافة الناس على المقاهي وفي القرى والنوادي والمصانع والبيوت ، ولنتسمى على سبيل المثال "بالأحرار المصريين" أسوة بجماعته يرحمه الله.

counter